آخر الأخبار

منابع التيار الإسلامي في الجزائر.. من هنا كانت البداية

حسان زهار الجمعة، 22 مايو 2020 12:32 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: الإخوان والجامع/ دراسة استطلاعية ميدانية حول الحركة الإسلامية في الجزائر
الكاتب: أحمد رواجعية
الناشر: دار أراك للنشر الجزائر كانون أول (ديسمبر) 2019
ترجمة: خليل أحمد خليل
عدد الصفحات : 205 من الحجم المتوسط.

أسهمت الصحوة الإسلامية التي شهدتها الجزائر المستقلة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في إحداث تحولات سياسية وثقافية كبرى في الجزائر خاصة ومحيطها الإقليمي بشكل عام، وقد برزت نتائج ذلك بشكل جلي في أول تعددية حزبية حقيقية عقب أحداث تشرين أول (أكتوبر) 1988، إذ برزت التيارات الإسلامية على رأس المتصدرين للمشهد السياسي والحزبي.

وقد جلبت الحالة الإسلامية الجزائرية اهتمام دول المنطقة، بما في ذلك حلفاء الجزائر التقليديين، وعلى رأسهم فرنسا، التي تعدّ الشريك الرئيسي الأكبر للجزائر، على الرغم من الإرث الاستعماري الذي خلفته في الجزائر. 

في هذه الدراسة الاستطلاعية، التي هي عبارة عن أطروحة دكتوراه في جامعة "دوني ديدرو" بباريس عام 1989، يمكن فهم ليس فقط سبب انشغال دول المنطقة بالحالة الإسلامية في الجزائر، وإنما أيضا، وهذا هو المهم، أن البحوث الجامعية في الغرب يمكنها أن تقدم المعطيات العلمية لدراسة الظواهر الاجتماعية المستجدة، بما في ذلك الظاهرة الإسلامية لجهة أصولها العقائدية والاجتماعية والثقافية بشكل عام.

الكاتب والباحث الجزائري حسان زهار، يقدم عرضا خاصا بـ "عربي21"، لهذه الدراسة، التي تعكس وجهة نظر فريق من المشتغلين على ظاهرة الصحوة الإسلامية في عالمنا العربي وفي المؤسسات العلمية والبحثية في الغرب.

 

بين يدي الكتاب

الكتاب الذي بين أيدينا، هو في الأصل حوصلة لدراسة ميدانية باللغة الفرنسية أنجزها الباحث أحمد رواجعية كأطروحة دكتوراه، تقدم بها في جامعة "دوني ديدرو" بباريس عام 1989، اختصره مؤلفه ليصدر في طبعته العربية هذه، بعد أن حذف الجداول الإحصائية والفرضيات وغيرها من المتطلبات الأكاديمية حتى يسهل هضمها من القارئ العادي.

أهمية الكتاب تكمن في أنه ينبش في مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر، وهي مرحلة ميلاد الحركات الإسلامية بكل أطيافها في فترة ما بعد استعادة استقلال البلاد من الاحتلال الفرنسي، واستقراء الخطوات الأولى لتشكل خزانات التجنيد لمجموعات الرفض للنظام الحاكم للبلاد، ولاختراق تلك التيارات لبنية النظام وهياكله، ودور مساجد الظل ومصليات الجامعات والثانويات والشركات العمومية في ذلك.

ومع أن الكتاب تضمن العديد من الأحكام النمطية والنفس العدائي تجاه ما أصبح يسمى فيما بعد بالإسلام السياسي، فإن الدراسة تعد ذات أهمية كبيرة من منطلق أنها مبنية على دراسات ميدانية ووثائق وإحصاءات مهمة خاصة بالموضوع، وهو ما يساهم في تقريب زوايا الرؤية حول تشكل الحركات الإسلامية، وفي القلب منها التنظيمات التي انتهجت العنف إبان فترة تسعينيات القرن الماضي، التي اصطلح على تسميتها بفترة "العشرية السوداء".

واستند الباحث في دراسته إلى مقاربة متعددة الأشكال، استندت إلى وثائق وشهادات متنوعة، لأن المسألة تتعلق بالكشف في ما يتعدى المظاهر والخطابات الدينية، عن الممارسات الفعلية والجهود التنظيمية التي كان الفاعلون الاجتماعيون والسياسيون المعنيون يمارسونها ويستغلونها.

البداية من المصليات والمساجد الشعبية 

الحديث عن نشأة الحركات الإسلامية في الجزائر من الصعب فصله عن الطبيعة المحافظة للشعب الجزائري في عمومه، وهي التي عجز المستعمر الفرنسي على محوها طوال 132 سنة من الاستعمار، ومن هنا فإن حملة بناء الجوامع والمساجد في الجزائر بعد الاستقلال وتوسعتها، لم تكن بالغريبة، كما أن تجاوب جزء كبير من رموز السلطة ومشاركتهم في تلك الجهود لم يكن مستنكفا؛ باعتبار أن جلهم جاء من بيئات شعبية تقدس الموروث الديني ورموزه.

 

اختار الكاتب مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري كعينة رئيسية في دراسته الميدانية تتبع فيها مراحل بناء المساجد الرئيسية، وخاصة منها تلك التي أصبحت فيما بعد قلاعا لشيوخ التيار الإسلامي المعتدل منه والمتطرف

 



ولكن الأمر لم يستمر طويلا مع وصول أفكار التكفير ومهاجمة السلطة وسياساتها "الاشتراكية" أوائل سبعينيات القرن الماضي، التي اتخذت من المصليات الشعبية والمساجد الحرة منبرا وساحة للتجنيد، فأصدرت الحكومة قانون 1971 الذي فرض إدماج كل الجمعيات الدينية والثقافية، ومنها جمعيات تسيير المساجد في إطار المنظمات الجماهيرية الملحقة بالحزب الوحيد الحاكم، "حزب جبهة التحرير الوطني، وهي خطة ترمي إضافة إلى مراقبة الفضاءات، إلى هدف آخر ظهر جليا بعد وصول الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد إلى الحكم في 1979، وهو استمالة التيار الإسلامي والحركات المحافظة الأخرى لمحاربة تغول اليسار بكل أنواعه وتنظيماته، والعمل على تقليص أجنحته، تحضيرا لاستحقاقات المرحلة الجديدة التي أهم ما بشرت به هو الانفتاح الاقتصادي والثقافي.

اختار الكاتب مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري كعينة رئيسية في دراسته الميدانية، تتبع فيها مراحل بناء المساجد الرئيسية، وخاصة منها تلك التي أصبحت فيما بعد قلاعا لشيوخ التيار الإسلامي المعتدل منه والمتطرف؛ كمسجد "لقمان"، ومسجد "التقوى"، ومسجد "العربي التبسي"، ومسجد "خالد بن الوليد"، حتى وصلت مساجد قسنطينة الجديدة وحدها إلى 102 بين مسجد ومصلى، عدا المساجد والزوايا العتيقة التي أنجزت قبل استعادة الاستقلال، كما عرفت الجزائر العاصمة تأسيس أكثر من 450 جمعية مكلفة ببناء مساجد أو بصيانة مبان دينية جديدة أو قديمة، لتعرف القضية انتشارا واسعا بعد 1987 بعد موافقة الحكومة والبرلمان على حصر تأسيس الجمعيات في تصريح بسيط./ ص 76.

وقد جاء اختيار قسنطينة كعينة رئيسية للبحث، من منطلق شهرتها بالعلماء في المخيال الشعبي الجزائري، باعتبارها مسقط رأس رائد النهضة عبد الحميد بن باديس ومنطلقا لدعوته الإصلاحية، إلا أن عمل الباحث الاستقصائي لم ينحصر في قسنطينة، بل امتد إلى مدن رئيسية أخرى من البلاد؛ كتلمسان في الغرب الجزائري والجزائر العاصمة في الوسط، كما اختار الباحث عينات من خطباء تلك المساجد والجوامع، الذين أصبح لأغلبهم أسماء معروفة في قيادات الأحزاب السياسية الإسلامية بعد فتح التعددية السياسية بالبلاد عام 1989، ومن بين تلك الأسماء: أبو جرة سلطاني، عبد العزيز ثابت، مختار مراح، حسن كاتب.

الفراغات التي ولجت منها التيارات "الأصولية"

أحصى الباحث عددا من الفضاءات التي اختارها رواد ما كان يسمى "الصحوة الإسلامية" وطرق إنشائها أو الاستيلاء عليها، خاصة منها مساجد الأحياء الشعبية، وهو تكتيك ـ حسب الباحث اختير بعناية لاعتبار أن مرحلة ما بعد استرجاع السيادة الوطنية، عرفت هجرة ريفية مكثفة نحو المدن الرئيسية ومنها قسنطينة والعاصمة وتلمسان بالخصوص، مع غياب الهياكل الثقافية والترفيهية والتأطير السياسي والأمني للمجتمع، وهو ما يجعل من هذه الفئة التي يغلب عليها التدين فريسة سهلة للاستقطاب والتجنيد، عبر بقاء أماكن العبادة هي الأماكن والفضاءات الوحيدة المتاحة للتنفيس. 

فضاءات أخرى اكتسحتها الموجة الجديدة في زحفها الجارف ومنها الكنائس والمعابد اليهودية، التي تركها روادها بعد استعادة الحرية والاستقلال وعادوا لبلدانهم، مثل كنيس حي سيدي مبروك الذي تحول إلى مسجد "الشهداء"، وكنيسة "القلب المقدس" في حي "كودية عتي" التي تحولت إلى مسجد "الاستقلال"، بل وحتى الخمارات والحانات تحولت إلى مساجد، كما هو الحال مع حانة سيدي مبروك التي تحولت إلى مسجد "عبد الحميد بن باديس"، كما بني مسجد "التوبة" على أنقاض خمارة حي الصيادين بوسط مدينة قسنطينة، وهي حملة نشاطات لم يركز الباحث إلا على زاوية عدم تناسقها العمراني مع المحيط الذي بنيت فيه، وإلى غياب الحضور الرسمي لمراحل البناء والتسيير لفضاءاتها العامة من مصليات ومكتبات، ومدارس تعليم القرآن.

الجناح المحافظ في النظام شريك للإسلامين

حمل الباحث على عدد من رموز النظام في فترة الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد واعتبرهم "عرابي الأصولية"، ومن تلك الرموز الوزراء الذين تربوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أمثال المفكر مولود قاسم نايت بلقاسم والشيخ عبد الرحمن شيبان، والسفير السابق الذي أصبح فيما بعد مديرا لمسجد باريس عباس بن شيخ الحسين، بل وحتى القيادات العسكرية لم تسلم من اتهامات الباحث مثل العقيد محمد بن أحمد عبد الغني قائد الناحية العسكرية الخامسة وعضو مجلس الثورة في فترة حكم الرئيس بومدين الذي ترأس جمعية بناء مسجد الأمير عبد القادر بقسنطينة، الذي تحول من مشروع مسجد جامع إلى جامعة كبرى للعلوم الإسلامية، استقطبت فور تدشينها علماء كبارا من المشرق والمغرب، وعلى رأسهم الشيخ محمد الغزالي ويوسف القرضاوي.

ويرى أحمد رواجعية أن عدم الانسجام السياسي والسوسيولوجي والثقافي في تشكيلة الدولة، سهل سيطرة جماعات التيار الإسلامي منذ السبعينيات على عدد من مقصورات قطار الدولة، لتتعزز أكثر فأكثر في الثمانينيات في المؤسسات الاستراتيجية (العدل، البلديات، المدارس، الإدارات الدينية...) ص 170.

من الدعوة إلى التغيير إلى محاولة فرضه

اعتبر الباحث أن ميراث الإسلام الإصلاحي التقليدي الذي أورثته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي حلت رسميا بعد الاستقلال قد تنازعته توجهات إسلامية "أصولية" عديدة، شكلت حاضنة خصبة لما سمي فيما بعد بتيارات "الإسلام السياسي"، التي حوصلها الباحث في تلامذة المفكر مالك بن نبي، تيار بن باديس، الإخوان المسلمين. 

وقد تنافست تلك الاتجاهات في السيطرة على المساجد والمصليات وحتى بعض الزوايا، عبر الرفع من نبرة الخطاب العلني المنتقد للنمط العصري للحياة، وأيضا لخيارات السلطة ورجالها التي لا تتوافق مع ما تعدّه تلك التوجهات بالمرجعية الروحية والأيديولوجية للشعب الجزائري من إسلام وعروبة، ولفساد عدد من رموز النظام وتواطئهم مع ما اصطلح عليه باسم "حزب فرنسا".

 

اعتبر الباحث أن ميراث الإسلام الإصلاحي التقليدي الذي أورثته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي حلت رسميا بعد الاستقلال، قد تنازعته توجهات إسلامية "أصولية" عديدة شكلت حاضنة خصبة لما سمي فيما بعد بتيارات "الإسلام السياسي"

 


كما كانت مصليات الأحياء الجامعية ساحة حقيقية للتنافس بين الجماعات الإسلامية على السيطرة عليها، ثم العمل على جعلها منطلقا لاستقطاب الطلبة القادمين من الولايات الداخلية قبل شحنهم أيديولوجيا، وإدماجهم في الهياكل العنكبوتية لتلك التنظيمات.

كما أن استغلال الفشل الرسمي في التنمية وتحقيق تطلعات الشباب، فتح المجال لبناء وعاء انتخابي واسع للتيارات "الأصولية"، عبر المزاوجة بين فضح "النقائص الاجتماعية" والنشاط التضامني لفائدة الفئات الأكثر فقرا وحرمانا. ص 106

وقد تطورت هذه الفراغات إلى مستنقع سهل ظهور خطاب العنف والتكفير، الذي تحول إلى الفعل والإجرام الأعمى ابتداء بجماعة مصطفى بويعلي بين 1982 و1987، وانتهاء بـ"الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" 1991 ـ 2004 و"الجيش الإسلامي للإنقاذ 1993 ـ 1999 .

ويخلص الباحث من دراسته إلى أن الدين ليس فقط عبادة وطاعة ولي الأمر، كما تريده الأنظمة الشمولوة، وإنما يمكن أن يكون أداة للكفاح في أيدي كل المقصيين من مزايا النظام السياسي، فـ"حيثما بدت الأنظمة عاجزة عن تقديم مشاريع مجتمع تتوافق مع مصالح شعوبها وتطلعاتهم، تغدو المقدسات الدينية الملاذ الوحيد والأسلحة الوحيدة التي يلجا إليها الناس الأكثر حرمانا". ص 195.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا