آخر الأخبار

نشأة الأحزاب السياسية اليسارية الكبرى بالعراق.. رؤية تاريخية

فارس الخطاب السبت، 01 أغسطس 2020 02:08 م بتوقيت غرينتش

الفكرة اليسارية، ارتبطت نظريا بالنضال من أجل الخلاص من الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي، لكنها واقعيا تباينت ليس في فهم الواقع وتحليله، ولكن أيضا في التعامل معه. 

ومع أن أصل مصطلح اليسار يعود تاريخيا إلى الغرب وتحديدا إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، فإنه وجد تطبيقه في أوروبا الشرقية، وتحديدا في الاتحاد السوفييتي مع الثورة البولشيفية.. ومعه تغيّر وتشعّب استعمال مصطلح اليسار بحيث أصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار.

عربيا نشأ التيار اليساري (القومي والاشتراكي والماركسي) أواسط القرن الماضي مقترنا مع نشأة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والرأسمالية الصاعدة يومها.. وبعد الاستقلال تمكنت بعض التيارات اليسارية من الوصول إلى الحكم، وكونت جمهوريات حاولت من خلالها ترجمة الأفكار اليسارية، لكن فكرة الزعيم ظلت أقوى من نبل الأفكار ومثاليتها...

وفي سياق صراع فكري مع التيار الإسلامي المحافظ تحديدا، وسياسي مع الأنظمة العربية التي تسلمت حكم البلاد العربية بعد جلاء المستعمر، استطاع اليساريون العرب الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي الفكري والسياسي العربي الحديث والمعاصر..

وعلى الرغم من شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي رفعها اليسار العربي على مدار تاريخه الطويل، فإنه ومع هبوب رياح الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مؤذنة بنهاية صفحة من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، اتضح أن كثيرا من الشعارات التي رفعها اليساريون العرب لجهة الدفاع عن الحريات والتداول السلمي على السلطة لم تصمد أمام الواقع، وأن اليساريين العرب ورغم تراكم تجاربهم السياسية وثراء مكتبتهم الفكرية، إلا أنهم انحازوا للمؤسسة العسكرية بديلا عن خيارات الصندوق الانتخابي..

"عربي21" تفتح ملف اليسار العربي.. تاريخ نشأته، رموزه، اتجاهاته، مآلاته، في أوسع ملف فكري يتناول تجارب اليساريين العرب في مختلف الأقطار العربية..

اليوم يفتح الكاتب والباحث العراقي الدكتور فارس الخطاب في هذه الورقة الخاصة بـ "عربي21"، والتي ننشرها عبر سلسلة من الحلقات، ملف اليسار في العراق.. ويبدأ اليوم بالنشأة.

تمهيد :

تعتبر الفترة التي صاحبت الاحتلال والإنتداب البريطاني للعراق وتأسيس الدولة العراقية الحديثة من خلال تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على بلاد الرافدين، هي الفترة التي أسست لنشوء الأحزاب بمفهومها التنظيمي وكذلك الحركات السياسية المطالبة بالاستقلال خصوصاً بعد تطور وسائل الاتصال بالعالم الخارجي من سفر ووسائل إعلام كالصحف والإذاعات فانتقلت الكثير من التجارب العربية والعالمية إلى المجتمع العراقي لتعبر عن قضايا إستقطبت المطلعين على تلك التجارب والمتأثرين بها فكانت الأحزاب القومية والأيدلوجية ناهيك عن الأحزاب الوطنية .

وما يهمنا في هذه الورقة هي الأحزاب الأيديولوجية ذات التوجه اليساري، والتي ظهرت بداية الثلاثينات من القرن الماضي كـ (جماعة الأهالي) الوطنية اليسارية عام 1932م، ثم انشقت عن هذه الجماعة مجموعة أطلقت على نفسها (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) في 31 آذار (مارس) 1934م، التي حولت إسمها إلى (الحزب الشيوعي) العراقي عام 1935م .

رغم نشوء العديد من الأحزاب السياسية في العراق خلال الفترة الممتدة بين 1922 ـ 1958م إلا أن معظمها كان ذو إطار وطني يرتبط بموضوعة الاستقلال أو المطالبة بتحسين الأجواء الديمقراطية أو حتى المطالب القومية كما في حالة الأحزاب الكردية وسواها. فيما تعتبر أهم الأحزاب اليسارية التي ظهرت في العراق هي كالآتي :
 
ـ الحزب الوطني الديمقراطي (1946م)، أسسه وترأسه كامل الجادرجي إلى أن تم حل الحزب عام 1961م. ساهم هذا الحزب في العمل السياسي في العراق خلال العهد الملكي بكونه من أوائل الأحزاب في العراق الحديث إلى جانب حزب الاستقلال، ورغـم أن فلسـفة مؤسسيه كانت ديمقراطية اشتراكية معتدلـة لكن الحزب لم يتطـرق بشكل مباشر إلى الاشـتراكية ، تحاشياً لإعتباره حزباً شيوعياً ، ومما يؤشر على الحزب الوطني الديمقراطي أنه كان متسقاً مع قضايا التيارات العربية القومية بذلك الوقت كقضايا التحرر والاستقلال والوحدة.

ـ الحزب الشيوعي العراقي: بالرغم من انتقال الأفكار الماركسية إلى العراق في نهايات العشرينات من القرن الماضي عن طريق عدد من المثقفين الذين تأثروا بالأفكار الماركسية فقاموا بإدخال كتب ومنشورات إلى العراق من سوريا وغيرها تم تداولها مع النخب الفكرية التي قامت بإصدار مجلة علنية نصف شهرية ذات توجه ماركسي في 28 سبتمبر 1924م ، سارعت الحكومة العراقية إلى إغلاقها .

وفي عام 1927م تشكلت المجموعة الماركسية الأولى في البصرة، وفي عام 1928 تكونت خلية أخرى في الناصرية، وأصدرت هذه الخلية منشوراً في كانون أول (ديسمبر) عام 1932م بخط يد يوسف سلمان يوسف (فهد) بعنوان "يا عمال وفلاحي البلاد العربية اتحدوا" وقد عالج المنشور الوضع السياسي في البلاد والهيمنة البريطانية. وفي 31 آذار (مارس) 1934م انعقد في بغداد المؤتمر التأسيسي الأول للماركسيين العراقيين حضره كل المتعاطفين مع الفكر الشيوعي وأعلنوا في ختامه توحيد منظماتهم تحت إسم (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) وانتخبت أول لجنة مركزية، وفي العام 1935م، اتخذت اللجنة المركزية قراراً بإعلان اسم (الحزب الشيوعي العراقي) بدلاً من الإسم السابق .

تاريخياً ، لعب يوسف سلمان يوسف، وإسمه الحركي (فهد)، دوراً بارزاً سواء في بناء خلايا الحزب في مدن العراق الجنوبية أو في تقوية مركز الحزب في العاصمة بغداد، وفي عام 1934م إبتعثه الحزب إلى جامعة (كادحي الشرق) لدراسة العلوم الماركسية وأساليب التنظيم في الحزب الشيوعي، وهناك شارك (فهد) في المؤتمر السابع للكومنترن "الأحزاب الشيوعية" الذي انعقد في صيف 1935م، بصفة مراقب، وشارك أيضا في مؤتمر الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الذي انعقد في موسكو في نفس العام، ولجدية (فهد) وإيمانه العميق بالشيوعية أنهى دراسته بتفوق بسنتين بدلا من ثلاث سنوات لينطلق من موسكو إلى فرنسا وبلجيكا للتدريب على النضال الثوري الشيوعي بين صفوف عمال المناجم تحت إسم (فردريك)، ولم يتسنى له المكوث في أوروبا أكثر حيث تم إستدعاؤه في كانون الثاني (يناير) 1938م لمهمة إعادة بناء الحزب الشيوعي في العراق .

الحكومة العراقية تقيد حركة الشيوعيين :

تعرض الحزب الشيوعي العراقي لضربة قوية من قبل الحكومة العراقية في عام 1937م، شملت اعتقال قادة الحزب ومعظم كوادره، كما فضلَ البعض الإنسحاب من العمل الحزبي وتقديم البراءة من الشيوعية، ظن جميع المراقبين أن الشيوعية في العراق قد إنتهت وأن الحزب الشيوعي لن تقوم له قائمة في العراق بعد، لكن الأمور تغيرت بعد عودة (فهد) إلى العراق في 30 كانون الثاني (يناير) 1938م الذي أمضى الأشهر الستة الأولى من عودته متنقلا بين مدن وقصبات العراق ليتعرف بنفسه على الأوضاع الأجتماعية والسياسية ودراستها، وليلتقي بمن سلِم من الشيوعيين القدامى من بطش السلطات، وقد خرج بعد تحركه الدائم ودراسة الحالة أن الحزب بلا تنظيم وأن بناءه الحزبي تم تهشيمه فقرر أن تكون أولى خطواته في إعادة بنائه وفق الأسس اللينينية التي تشبع بها والخبرات التي إكتسبها خلال وجوده في موسكو وأوروبا .

وفي عام 1939م فوجئت السلطات العراقية بإستعادة الحزب الشيوعي العراقي عافيته وعاد للظهور كمنظمة سياسية راعية للطبقة العاملة العراقية من خِلال إصداره لمنشور حدد فيه مطالب الشعب كان من أبرزها حقه في تشكيل النقابات العمالية والأحزاب السياسية، ثم عزز الحزب من حضوره من خلال أصداره لجريدة " الشرارة " في كانون الثاني (يناير) من عام 1940م.

وفي نشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1942م حدث إنشقاق في الحزب الشيوعي أستغل فيه المنشقون 
سفر سكرتير الحزب إلى موسكو لحضور إجتماع ممثلي الأحزاب الشيوعية العالمي، واستولى المنشقون على مطبعة الحزب وجريدته ، فاضطر الحزب لتأسيس جريدة جديدة له إسماها "القاعدة"، وبعد ما يناهز الستة أشهر عمل الحزب وبقوة على تعزيز قاعدة الحزب العمالية والعناية بوجه خاص بالكادر العمالي الذي أثبت تمسّكه بخط الحزب، وشن حملة على الانتهازية من على صفحات جريدة "القاعدة" كاشفا عن جذرها الطبقي والعوامل التي تدفعها إلى التحرك ضد الحزب .

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا