آخر الأخبار

معركة القسطل واستشهاد الحسيني ومصير فلسطين

أحمد الدَبَشْ الثلاثاء، 21 يونيو 2022 10:27 ص بتوقيت غرينتش

صدر عن مدار المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (2020)، النسخة العربية من كتاب "إمّا نحن وإمّا هم: معركة القسطل"، للكاتب والصحافيّ الإسرائيليّ المتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة، داني روبنشتاين، ترجمه عن العبرية سليم سلامة.

الكتاب يستعير عنوانه من عبارة أطلقها الحسيني: "لا يمكن أن تكون فلسطين للعرب والصهاينة معاً ـ إما نحن وإما هم [...] إنها حرب حياة أو موت؛ إما أن نخرج من الحرب منتصرين وإما أن نموت جميعاً" (ص 161). 

يسرد روبنشتاين على امتداد 400 صفحة رؤيته للحرب على مصير فلسطين في نهايات الانتداب عبر استعادة سيرة القائد عبد القادر الحسيني، والإضاءة على محطات مفصلية في حياته، وتفاصيل حراكاته الداخلية والعربية المكثفة في نيسان العام 1948، مركزاً على معركة القسطل كمحطة حاسمة في مسار الحرب.

يستهل روبنشتاين كتابه بطرح سؤال: لماذا القسطل؟ وفي معرض إجابته عليه يشير على نحو خاص. مستندًا إلى الخلاصات التي توصل إليها من الإحداثيات التي قدّم تحليلاً لها، إلى أن جميع الذين كتبوا عن 1948 يعتبرون "معركة القسطل نقطة تحول رمزية ودراماتيكية في المعارك التي اندلعت في البلاد عشية انتهاء الانتداب البريطاني في 15 أيار، في ذلك اليوم الذي جرت فيه معركة القسطل، وقع حدثان آخران: مذبحة دير ياسين ومعركة مشمار هعميق. حسم هذان الحدثان مصير الحرب، حتى قبل أن تدخل الجيوش العربية ساحة القتال، بعد ذلك بوقت قصير" (ص 11).
 
ينوه المؤلف بأنه كُتبت بشأن معارك القدس عمومًا، وعن القسطل بوجه خاص، عشرات، بل مئات الكتب، والمقالات، والأبحاث، التي استخدمت ـ في غالبيتها الساحقة ـ مصادر إسرائيلية وأجنبية، بينما القليل منها فقط استند إلى مصادر عربية. سبب ذلك بسيط جداً: لا يتوفر الكثير من هذه المصادر، وإن توفرت توثيقات عن تلك الحقبة، فمن الصعب، أو المستحيل تماماً، الوصول إليها في حالات كثيرة. ليس من الممكن الدخول إلى أرشيف الدولة في دمشق، بغداد أو عمّان، والحصول على ملفات، كما هو الحال في لندن أو واشنطن، مثلاً. كذلك لدى الفلسطينيين أيضاً، فإن الأرشيفات المتوفرة قليلة جداً وغير منظمة. وثمة مشكلات أخرى، في مقدمتها عدم معرفة العديد من الباحثين، الإسرائيليين والأجانب، اللغة العربية، ناهيك عن الاستخفاف الظاهر، في كثير من الأحيان، بموثوقية الوثائق العربية وصدقيتها.

أوضح المؤلف أن ما حثّه على الاستناد إلى تلك المصادر، هو طريقة العمل التي اعتمدها د. شريف كناعنة، من مواليد عرابة البطوف في الجليل داخل أراضي 48، وأستاذ العلوم الإنسانية الذي كان يدرّس في جامعة بيرزيت، ودرَس ودرَّس في الولايات المتحدة لسنوات عديدة، وأثارت إعجابه، فقرّر أن يستخدمها في بحثه عن مصادر تكشف له ملابسات معركة القسطل، على ما تحفل به من أهمية بعيدة المدى.

ينتقد الباحث بلال شلش في دراسته "سنقاتل إلى النهاية" (قضايا إسرائيلية، 2021)، اقتطاع السردية العربية الفلسطينية بالقول: "روبنشتاين، وبفعل واعٍ كما يبدو، اقتطع سردية [قاسم] الريماوي، فأخرج سردية مبتورة، أبرزت لحظة من لحظات الصراع العربي ـ الصهيوني من دون بيان سياقها، وقدمت قراءة للمعركة، مغايرة لمجمل القراءات العربية التي اقتبس منها". وبذلك أخرج المعركة من سياقها العام. إضافة إلى إن "روبنشتاين تجاوز في حكايته أي نقد للمصادر التاريخية، فتساوت لديه المصادر التاريخية المختلفة".
 
يؤكد روبنشتاين، أنه اعتمد على المصادر العربية، وخاصة مصادر عائلية بقيت خارج دائرة الاستخدام، تماماً تقريباً، طوال سنوات عديدة. وأشار إلى أن "جمع المواد، بالنسبة لي [روبنشتاين]، عنصراً مركزياً في محاولة استجلاء الصورة التي تشكلت عن معارك القدس، وعبد القادر الحسيني، والصورة التي ارتسمت عن النكبة في أعين العرب" (ص 19). وبنظره إلى الوراء، "يبدو أنه في ذلك اليوم نفسه، الذي انقلبت فيه موازين المعركة وحُسم مصير البلاد، ترسخت أيضاً صورة عبد القادر الفريدة في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وأصبح شخصية بطولية، المخلّص الذي قُتل: البطل، أمير العائلة المرموقة، الذي يحظى بتقدير وإعجاب الجماهير العربية، هنا في البلاد وفي خارجها" (ص 31). 

لقد كانت معركة القسطل، بحسب روبنشتاين، المعركة الأخيرة بقيادة وإدارة فلسطينية كاملة، أدار القادة العسكريون الفلسطينيون، وغالبيتهم من قدامى الجهاد المقدس منذ الثورة الكبرى، المعركة بكل تفاصيلها. 

وختامًا، يمكن الجزم بأن اليوم المصيري الحاسم في معركة القسطل وموت عبد القادر الحسيني هما عصارة قصة سقوط القدس العربية، وربما قصة النكبة الفلسطينية كلها. أثبتت الأحداث التاريخية، إذن، ما قاله رؤساء الجمهور اليهودي والعربي، معاً، في مسألة السيطرة على القدس، في العام 1948: من يسيطر على القدس، يسيطر على البلاد كلها. 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا