آخر الأخبار

تأملات في الشعوبية على هامش استفتاء تونس 2022

أحمد القاسمي الجمعة، 05 أغسطس 2022 08:09 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: أنا الشعب: كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية؟
الكاتبة: ناديا أوربيناتي، ترجمة عماد شيحة
الناشر: دار السّاقي 2020
عدد الصفحات: 334 صفحة


تصدير أول: "يميّز [موديه] هذه الانتهازية في الادعاءات التي يقدّمونها للتحدّث عن "نحن الشعب"، وهم يعملون على استغلال الدستور باسم الشعب نفسه": ناديا أوربيناتي: أنا الشعب: كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية؟

تصدير ثان: "نحن الشّعب التّونسي: نسعى بهذا الدّستور الجديد إلى تحقيق العدل والحريّة والكرامة، فلا سلم اجتماعي دون عدل، ولا كرامة للإنسان في غياب حريّة حقيقية، ولا عزّة للوطن دون سيادة كاملة ودون استقلال حقيقي.

إنّنا نؤسّس إلى تركيز نظام دستوري جديد يقوم ليس على دولة القانون فقط، بل على مجتمع القانون، حتّى تكون القواعد القانونيّة تعبيرا صادقا أمينا عن إرادة الشّعب، فيستطبنها ويحرص بنفسه على إنفاذها، ويتصدّى لكل من يتجاوزها أو يحاول الاعتداء عليها": طغراء الدستور التونسي الجديد 2022.

1 ـ بين يدي الكتاب:

ينتشر الفساد اليوم في أغلب دول العالم، وتغلب نزعة فردية وتوق للثراء السّريع على حساب القيم والقانون. وكثيرا ما تتحمّل الأحزاب الحاكمة المسؤولية في هذا الانحراف بشكل أو بآخر، فتكون خيبة المواطن الذي راهن على السياسيين لإصلاح الوضع القائم وتحسين ظروف حياته، بيئة حاضنة للخطاب الشّعبوي المنتقد للديمقراطية التّقليدية، مثّلت أمريكا اللاتينية فضاء تقليديا لحركاته. ولكن مدّه اليوم ينتشر في كامل أنحاء المعمورة، متخذا من التطرّف اليميني عصا يتكئ عليها. ذلك شأن الأحزاب اليمينية في عامة أوروبا، أو في حالة الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة في نسختي جورج بوش الابن ودونالد ترامب.
 
وللعالم العربي شعبويته أيضا، ونظام العقيد القذافي أهم تجلّياتها. ثم غذّى الربيع العربي المتعثّر نزعاتها لما عقب شلالات الأمل في الحياة الكريمة، التي انفجرت فجأة من إحباط عميق. وها هي تبلغ أوجها في خطاب الرئيس التونسي الحالي قيس سعيد، فتسلل من فجوة التراخي في تركيز المحكمة الدستورية إلى هرم السّلطة، بعد أن كان دور الرئيس تشريفيا تقريبا في منظومة ما بات يعرف بـ"منظومة ما قبل 25 تموز (يوليو)". وتحوّل إلى المفسّر الوحيد للدستور ليلوي الفصل الثمانين منه ليّا، فيجمّع باسمه السلطات كافة في يده.
 
يدعونا هذا الانتشار السريع للشعبوية إلى البحث في تاريخها، رغبة في تفكيك خطابها وفهم أهدافها. وكتاب "أنا الشعب: كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية؟" للكاتبة ناديا أوربيناتي منطلق جيد يساعدنا على تمثّل طبيعة هذه الحركات وآليات توسعها جماهيريا. وحتى نتجاوز الخطاب المتعالي، سنجعل من الحالة التونسية منطلقا لتنبسط في عرض مادة هذا المهمّ، المهم في تاريخ الأفكار السياسية.

2 ـ في تاريخ الشعبوية ونزعاتها

يبحث الأثر في تاريخ الشعبوية، فيردّ ظهورها الفاعل واحتلالها المكانة بين الأفكار السياسية إلى بداية دمقرطة أنظمة الحكم في القرن التاسع عشر في أوروبا. ويبرز ما يميزها اليوم، وهو حدة انتشارها في كامل أرجاء العالم، فقد اخترقت مختلف الديمقراطيات الدستورية تقريبا، وأخذت تقدّم نفسها باعتبارها بديلها الذي سيتجاوز هناتها، فلا تفتأ تجيّش الرأي العامّ ضدها والطعن فيها مستندة إلى خطاب هوياتي منغلق، ولم ينظر إلى هذه النزعات دائما من منظور سلبي. 

 

للعالم العربي شعبويته أيضا، ونظام العقيد القذافي أهم تجلّياتها. ثم غذّى الربيع العربي المتعثّر نزعاتها لما عقب شلالات الأمل في الحياة الكريمة، التي انفجرت فجأة من إحباط عميق. وها هي تبلغ أوجها في خطاب الرئيس التونسي الحالي قيس سعيد.

 



فقد قدّر بعض الباحثين أنّها تؤدي دورا إيجابيا في الديمقراطيات المعاصرة، وأنها تعكس رغبة في التجديد الأخلاقي، فتشجّع السياسات الشعبية وتعمل على التحرر من المأسسة السياسية المتعالية، وتجسد السيادة الشعبية على المؤسسات والقواعد الدستورية وتعلو عليها. بل إن بعض الباحثين رأى فيها اليوم فرصة لاستعادة شباب الديمقراطية، خاصة بعد أن خرجت من أمريكا اللاتينية ـ موطنها المفضل ـ لتصل إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ولكن الغالب على استعمال مصطلح "الشعبوية"، البعد التهجيني الذي يحولها إلى وصم يُلحقه المعارضون بالحكّام، أو صيحة استنفار وفزع يطلقها من يعتلون الحكم، للإشارة إلى الحركات المعارضة وإلى كارهي الأجانب أو منتقدي السياسات النيو-ليبيرالية منها خاصة. وهذا ما يدفعنا إلى عرض مفهومها، من منظور الباحثة طبعا.

3 ـ في المفهوم وتجلياته

يهدف هذا الأثر القيّم إلى التصدي للميوعة المفهومية التي صاحبت مصطلح "الشعبوية"، ويحاول أن يحدد دلالته بدقّة، فينظر إليه باعتباره تحولا في ركائز الديمقراطية الحديثة، يغالي في "دور الشعب" و"مبدأ الأغلبية"، ويوجههما بمهارة للاستفراد بالقرار السياسي، فتشكل الحركات الشعبوية نظاما خاصا من داخل الديمقراطية الدستورية، يخالف أسسها أحيانا ويشوهها، ولكنه يظل نوعا جديدا للحكم التمثيلي. ويعمل المؤلَّف على تقصّي الآثار المترتبة على ظهور الشعبوية، في ظل تراجع الثقة في الديمقراطيات الدستورية؛ أي تلك الديمقراطيات التي تتعهد بحماية الحقوق الأساسية، وتجعل الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء سبيل تحققها. 

ويمكننا أن نلخص تصوره في كون الديمقراطية الشعبوية اسما لنمط جديد من الحكم التمثيلي، يرتكز على علاقة مباشرة بين الزعيم ومن يعتبرهم من الصالحين والأخيار من بين أعضاء المجتمع، ويمنح سلطة مطلقة لجمهور المتلقين؛ باعتبارهم الشعب الذي يعبّر عن إرادته. فـ "تحدّد نتيجة هذه الأفعال السلبية والإيجابية مظهر الشعبوية الخارجي؛ بوصفها تأويلا لـ" الشعب" و"الأغلبية"، تشوبه سياسة تحيّز سافرة ومفعمة بالحماسة في الواقع، في مقدور هذا التحيّز أن يشوّه بسهولة حكم القانون "الذي يقتضي التزام المسؤولين الحكوميين والمواطنين القانون والعمل وفقه". وتؤكد الباحثة أنّ الشعبوية، اليوم لا تفتأ تتطور داخل الديمقراطية التّمثيلية (الدستورية)، لتحول نمطها وتستخدم قيمها للتوسّع دون أن تسقطها.

4 ـ صورة الزعيم الشعبوي:

للزعماء الشعبيين سلوك سياسي متشابه، فهم يعملون باستمرار على الاحتكاك بالشعب ويجدّون في ابتكار طرق تضمن مشاركة المواطنين المباشرة في صياغة البرامج السياسية والتنموية، من ذلك عمليات التصويت المباشرة على الاستفتاء والمصادقة على القرارات في مؤتمرات شعبية. تقول الباحثة: "يريد الزعيم الشعبوي تجسيد إرادة وصوت الشعب.. ويريد فعل ذلك دون توسط، ودون تسويات لافتة للنظر مع الأحزاب القائمة الأخرى". ولكنّ المفارقة هنا، أنّ هذه القرارات لا تصاغ من المواطنين بطريقة تلقائية، وإنما يختلقها الزعيم مسبقا. ويظل يحشد إليها الدعم الجماهيري ويديره من الأعلى، فلا تزيد المشاركة الجماهيرية في جلية الأمر على الوهم.

حتى لا يصبح جزءا من المؤسسة السياسية التقليدية وحتى يطمئن كارهيها بأنه لن يتماهى معها، يستخدم الزعيم الشعبوي باستمرار سجلين: فعلِ التزكية الاستفتائي، فيظل يحشد الشعب ويتبجح بحبه له، وهو يداوم على الحضور المتكرر في وسائل الأعلام والساحات العامة والنداءاتِ الرسمية المتكررة، التي تدعو الشعب إلى اليقظة والانتباه إلى المكائد التي تحاك ضده وضد سياساته. والحاصل أن الشعبوية حينما تدرك السلطة تتحوّل إلى حملة انتخابية متواصلة.

5 ـ الزعيم الشعبوي والتفويض

يمثل النبي النموذج الذي يعتمده الزعيم الشعبوي، وهو يشكّل صورته في أذهان "شعبه". فمثله تماما لا يمتلك إرادة خاصة به؛ فالنبي وعاء لإرادة الإله، أما الزعيم الشعبوي فوعاء لإرادة الشعبِ صاحب السيادة، ووكيله الحقيقي. يقول تشافيز الذي يعدّ مثاليا جيّدا للزعماء الشعبيين: "أنا لست نفسي.. أنا لست فردا، أنا لست فردا، أنا الشعب"، و"لا ينقذ الشعب إلا الشعب.. أنا سأكون أداتكم". وعلى منواله صرّح دونالد ترامب أنّ الشعب من فاز بالرئاسة، ودخل البيت الأبيض وهو من يتكلم عبره في كلمته بطريقة عفوية لا أكثر. فيكون كما النبي الذي يُشترط فيه أن يمثّل أداة ميكانيكية تنطق بكلمات الله، بلغة بشرية لجمهور المؤمنين ليتمّ الاعتراف بنبوته.

 

لقد استهان جميع السياسيين في تونس بنزعته الشعبوية تلك، معتقدين أنه يسرق شعار الثورة [الشعب يريد] لضعف في خياله ولعدم قدرته على الابتكار. أما هو، فقد كان يخطط بإحكام للاستيلاء على المسار السياسي بأسره. وقد نجد لهم العذر؛ فهم لم يكونوا يمتلكون آليات تفكيك الخطاب الشعبوي وفهمه، كما تفعل صاحبة كتاب "أنا الشعب".

 



يمثّل الرئيس في الديمقراطيات الدستورية وحدة الأمة. أما تمثيل الشعب، فيختصّ به البرلمان. ولكن الحركة الشعبوية تمنحه تفويضا يجعله فوق المساءلة ويحرّره من المسؤولية: "أنا لست تشافيز"، يقول زعيم فينزويلا: "أنتم تشافيز، نحن جميعا تشافيز"، وعليه فالشعب هو صاحب السيادة والفاعل الأول، وهو دائما على حق حينما يتعلق بتشافيز المفرد. ولكن عند الفشل يتحوّل تشافيز المفرد إلى تشافيز الشعب.  تحدثنا الوقائع التّاريخية زمن الإمبراطورية الرومانية المتأخرة أنّ الإمبراطور مارس دوره بوصفه رئيسا مؤلها، وأنّ تأويلات مؤيدة للحكم المطلق الاستبدادي ظهرت بالمجامع المقدسة في كنيسة العصور الوسطى. ومن استدعاء النماذج التاريخية تنتهي الباحثة إلى أنّ الشعبوية المعاصرة ليست في جليّة الأمر غير علمنة للاهوت السياسي.

6 ـ مأزق الشعبوية وانحرافاتها

لا يخلو الخطاب الشعبوي من تمرّد مبعثه ما يتسلل للمنظومة الديمقراطية من فساد يمارس باسمها. ورغم إعلان حركاته انخراطها ضمن منظومتها وعدم تعليقها الحق في تكوين تنظيمات سياسية، تظل في عمقها تناهض المنطق التّعددي لسياسة الأحزاب. ومن هنا مأتى تناقضاتها التي تنتهي بها إلى ضرب جديد من الاستبداد، فالجسم السياسي الذي يدور حوله "حزب اللاحزب" وفق الباحثة يناهض منطق الأحزاب، ولكنه يعمل على تشكيل حزب مناهض لمؤسسة الحكم في شكل تحالف حركات اجتماعية. ويقدّم نفسه باعتباره ثورة ضد الفساد، ولكنه لا يقدّم إلى أعضائه أي وسيلة تقريبا لمساءلة السلطة، فتنتهي غالبا إلى تكريسه. وعندها، يسرع إلى إخلاء ذمة الزعيم منه فيقدم الفساد على أنه لحظة انحراف شعبي، ويعمل على خلق دائرة انتخابية شاملة تتشكل من الشعب الخيّر المحبّ فيحشد الجماهير ويرصّ الصفوف، ولكن مقابل تقبل الحزب لنفسه باعتباره واحدا من أطراف أخرى في الديمقراطية الدستورية، فلا يسعى إلى التخلص منها، وإنما إلى أن ينتزع منها الأغلبية تحقن الحملة الانتخابية المتواصلة لحزب اللاحزب العداوة في المجتمع، وتغذّي السياسة الإقصائية.

7 ـ "أنا الشعب" وبعد؟ تأملات على هامش الحالة التونسية

يعدّ المشهد السياسي العربي مشهدا ملائما لظهور الزعماء الشعبويين وآخر وافديهم إلى ساحته الرئيس التونسي قيس سعيد كما أسلفنا. فمنذ دخوله المعترك السياسي كان يعلن شعبويته، ولكن لا أحد انتبه إليه.

 

فقد:

أ ـ تبنى شعارا غامضا هو "الشعب يريد" ،فانتزعه من شعارات الثورة التونسية التي صاحت فيها الحناجر بالعبارة "الشعب يريد إسقاط النظام"، كاشفة عن استبطان العقل الجماعي لصوت أبي القاسم الشابي: [إذا الشعب يوما أراد الحياة** فلا بد أن يستجيب القدر]. وباسم الإرادة الشعبية استولى على كلّ السلطات، ثم لم يعرف ما هو صانع بها لمّا تجمّعت في راحته.

ب ـ كان يتحدّث دائما عن الأعداء الغامضين الذين يخططون في الغرف المظلمة: "ولأنّ الزعيم مجرد فم ولا يمتلك إرادة خاصة به"، تقول الباحثة: "فلا بد أن يكون ما يفعله هو ما طلب الشعب منه أن يفعل. وإن لم يتحقق ذلك، فلا بد أنّ المسؤولية تقع على عاتق أعداء الشعب، الذين لا يختفون أبدا (وكذلك لا ينامون أبدا)".

ت ـ جعل نفسه الزعيم المفوض من قبل الشعب وجعل إرادتَه من إرادتِه. وفي الشعبوية لا يكون الزّعيم مسؤولا عن كلّ انحراف يطرأ. "وغياب مسؤولية الزعيم يفيد كدليل على صدارة الشعب الذي يجسده الزّعيم، ولكن لا يحلّ محلّه". وربما هذا ما يفسر غياب محاسبة الرئيس في الدستور التونسي الجديد.
 
ث ـ يقدّم الزعيم الشعبوي نفسه باعتباره الزعيم الأوحد؛ لذلك لم يجد قيس سعيد حرجا في أن يستهل الدستور بعبارة نحن الشعب: في ديباجة كتبها هو بنفسه لا شريك له في ذلك. ولم يتردّد في تجميد البرلمان والدستور والحكم بالمراسيم.

لقد استهان جميع السياسيين في تونس بنزعته الشعبوية تلك، معتقدين أنه يسرق شعار الثورة [الشعب يريد] لضعف في خياله ولعدم قدرته على الابتكار. أما هو، فقد كان يخطط بإحكام للاستيلاء على المسار السياسي بأسره. وقد نجد لهم العذر، فهم لم يكونوا يمتلكون آليات تفكيك الخطاب الشعبوي وفهمه، كما تفعل صاحبة كتاب "أنا الشعب".


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا