آخر الأخبار

في ظل تجدّد الأزمات وانتشار الحروب: من ينقذ العالم من اختلاله؟

قاسم قصير الأربعاء، 01 ديسمبر 2021 02:41 م بتوقيت غرينتش

في العام 2009 أصدر الكاتب الفرنسي من أصول لبنانية أمين معلوف كتابا بعنوان: "اختلال العالم- حضاراتنا المتهافتة"، وترجمه من الفرنسية إلى العربية الأستاذ ميشال كرم. وقد صدر الكتاب بعد مرور ثماني سنوات على أحداث 11 أيلول/ سبتمبر والاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وبعد مرور ست سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق، وبعد سنة من الأزمة المالية في أمريكا والعالم والتي تركت بصماتها القاسية على الاقتصاديات العالمية، وفي ظل المخاوف من تغير المناخ وما يتركه من مخاطر على العالم، ومع انتشار العنف في العالم، وإن كان الكتاب استبق الربيع العربي في العام 2010 وما تبعه من تداعيات خطيرة في العالم العربي والإسلامي وكافة أنحاء العالم، وخصوصا بعد ظهور تنظيم داعش.

في هذا الكتاب المهم، والذي تمكن العودة إليه اليوم لقراءة مشهد العالم والاختلال الذي كان ولا يزال يعاني منه، يعتبر الكاتب أمين معلوف أنه في مطلع القرن الواحد والعشرين ظهرت في العالم علامات اختلال عديدة، ومنها اختلال فكري يتميز بانفلات المطالبات المتعلقة بالهويات من عقالها، مما يؤدي إلى صدامات خطيرة ويصعب التعايش والتناغم فيما بينها، واختلال اقتصادي ومالي يجر الكوكب بأسره إلى منطقة من الاضطرابات يتعذر التكهن بنتائجها، ويجسد عوارض اضطراب في النظام القيمي، وأخيرا اختلال مناخي ناجم عن فترة طويلة من الممارسات غير المسؤولة.

اختلال العالم، منذ ذلك العام وإلى اليوم، مرتبط بحالة الإنهاك المتزامنة للحضارات كافة وبخاصة للمجموعتين الحضاريتين الثقافيتين اللتين يدّعي العالم نفسه الانتماء إليهما، وهما الغرب والعالم العربي


وعلى ضوء هذا الاختلال الكبير الذي يصيب العالم يسأل المؤلف بحسرة وخوف وقلق: هل بلغت البشرية عتبة إفلاسها الأخلاقي؟ ويصل إلى نتيجة ملخصها: أن اختلال العالم، منذ ذلك العام وإلى اليوم، مرتبط بحالة الإنهاك المتزامنة للحضارات كافة وبخاصة للمجموعتين الحضاريتين الثقافيتين اللتين يدّعي العالم نفسه الانتماء إليهما، وهما الغرب والعالم العربي.

هذه الرؤية الاستباقية التي تحدث عنها أمين معلوف لا تزال تنطبق على العالم اليوم، وقد كانت هناك فرصة مهمة للعالم العربي والإسلامي أن يقدم نموذجا جديدا للعالم بعد الربيع العربي، وبعد بروز الدور الكبير للحركات والتيارات الإسلامية في أحداث هذه المنطقة، لكن للأسف بدلا من تقديم نموذج جديد للعالم يقدّم له خيارا جديدا للخروج من الأزمات المختلفة والاختلالات التي يواجهها، شكّلت الأحداث التي شهدناها في السنوات الاثنتي عشرة الماضية دليلا جديدا على حجم الاختلال الكبير والمأزق الذي نعاني منه جميعا اليوم.

والناظر في مشهد العالم والكون اليوم لا يحتاج إلى الكثير من المراقبة والتحليل كي يكتشف حجم الاختلال الذي يصيب هذا العالم، وقد زادت، إضافة إلى الأزمات التي تحدث عنها أمين معلوف في العام 2009، أزمات جديدة لم تكن متوقعة وإن كانت نتيجة لكل هذا الاختلال العام، ومنها الأزمة الصحية المتمثلة بانتشار فيروس كورونا والذي يشهد اليوم انتشارا جديدا بأشكال جديدة ومتطورة، وقد تركت على العالم بصمات خطيرة لم نستطع الخروج منها إلى اليوم، وقد نعود ونقع في آثارها السلبية في الأشهر القادمة.

نحن إذن أمام واقع مؤلم، وقد يكون الوصف بالاختلال هو توصيف مخفف عن المآسي التي نعيشها، والأخطر في المشهد العالمي غياب المؤسسات الدولية أو القوى الدولية القادرة على تقديم الحلول والمعالجات


وإضافة إلى الأزمة الصحية وأزمة المناخ المتجددة والأزمات الاقتصادية، فقد عشنا خلال السنوات الأخيرة انتشار العنف والتطرف، وها نحن نعيش أجواء الحروب والصراعات المتنقلة من بلد ومنطقة إلى بلد ومنطقة أخرى، وهناك دول عديدة تعيش أزمات خطيرة من جراء تداعيات السنوات الأخيرة، إضافة إلى عودة الديكتاتوريات والانقلابات العسكرية في العالم العربي وبعض دول العالم، إضافة لانتشار العنصرية في العالم في ظل موجات خطيرة من النزوح والهجرة، وفي ظل غرق الآلاف من المهاجرين في بحور العالم وموت الكثيرين في مناطق الحدود في أوروبا وأمريكا.

نحن إذن أمام واقع مؤلم، وقد يكون الوصف بالاختلال هو توصيف مخفف عن المآسي التي نعيشها، والأخطر في المشهد العالمي غياب المؤسسات الدولية أو القوى الدولية القادرة على تقديم الحلول والمعالجات. فأمريكا التي كانت تقدم نفسها نموذجا قائدا للعالم هي أيضا تغرق بالأزمات، فيما أوروبا تعاني من الخلافات وعدم وجود رؤية موحدة، وأما الصين وروسيا ودول البريكس فلم تقدم حتى الآن النموذج البديل، وأما العالم العربي والإسلامي فهو غارق بحروبه وصراعاته وأزماته، وأما المؤسسات الدولية فهي تعيش حالة من العجز والتقصير وغياب الرؤية والبرنامج العملي والقدرة على تقديم الحلول وتنفيذها.

كنا نأمل أن تقدّم بعض الدول العربية والإسلامية، كتركيا أو إيران أو ماليزيا أو إندونيسا أو مصر أو تونس أو الإمارات أو المغرب، نماذج جديدة للعالم، وأن نستعيد قيمنا الدينية والمشرقية من أجل تقديمها كخارطة طريق لمعالجة أزمات العالم واختلالاته. لكن للأسف غرقت هذه الدول في مشاكلها وفي الصراعات فيما بينها


وكنا نأمل أن تقدّم بعض الدول العربية والإسلامية، كتركيا أو إيران أو ماليزيا أو إندونيسا أو مصر أو تونس أو الإمارات أو المغرب، نماذج جديدة للعالم، وأن نستعيد قيمنا الدينية والمشرقية من أجل تقديمها كخارطة طريق لمعالجة أزمات العالم واختلالاته. لكن للأسف غرقت هذه الدول في مشاكلها وفي الصراعات فيما بينها، وفشلنا جميعا في تقديم المشروع الإسلامي الحضاري الجديد، وقد تكون أسباب الفشل داخلية وخارجية.

لكن رغم هذه الصورة القاتمة التي يعيشها العالم اليوم والتي تحدث عنها سابقا الكاتب أمين معلوف في كتابه (اختلال العالم)، فإن ذلك لا يغني عن أن الفرصة انتهت وأننا لا نستطيع مواجهة هذه الأزمات. فهناك مؤشرات جديدة على إعادة ترتيب العلاقات بين الدول العربية والإسلامية، كذلك مع عودة المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وإعادة اهتمام العالم بملف المناخ كما حصل في قمة غلاسكو، وما تجري من مبادرات لإطلاق رؤية جديدة للأخوّة الإنسانية، والمبادرات التي أطلقها بابا الفاتيكان فرانسيس وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والمرجع الأعلى السيد علي السيستاني ومرجعيات دينية أخرى، مما قد يفتح الباب أمام فرص جديدة لمعالجة أزمات العالم.

طبعا نحن لن نيأس وسيظل يحدونا الأمل لمواجهة هذه الأزمات، لكن مسؤوليتنا وخصوصا في العالم العربي والإسلامي أن نستعيد دورنا في العالم ونخرج من هذه الدوامة الخانقة ونوقف الحروب فيما بيننا، علّنا بذلك نساهم في إصلاح الاختلال في العالم، أو سنضطر لانتظار معجزة إلهية جديدة تأتي إلينا من خارج التوقعات.

twitter.com/KassirKassem

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا