آخر الأخبار

جيمس ماثيو باري.. تحويل الألم إلى الجمال

عربي21- هبة عصام الأربعاء، 03 أغسطس 2022 08:28 ص بتوقيت غرينتش

لا تكاد تخلو طفولةُ أي أحدٍ منّا من الحكايات والقصصِ الخياليّة، سواءً تلك التي شاهدناها أو حتى التي سمعنا عنها ورُويت لنا أو قرأناها بأنفسِنا، ولا شكّ بأنّ تلك الحكايات أو بعضًا منها قد لامست بدفءٍ عقولنا البريئة وسلبت قلوبَنا بما فيها من شخصياتٍ وعوالمَ خياليّة وأحداث مشوّقة، خصوصًا أنّ للحكايا تأثيرًا ساحرًا تمتازُ بهِ عن باقي الفنون الأدبيّة عندما يتعلّقُ الأمرُ بالأطفال، فهي تُعتبر من أقربِ الفنونِ إلى قلوبِهم وعقولِهم، إذ تعملُ على إثارةِ مخيّلتهم وتغذيها وتأخذُ بأيديهم ليخلقوا عالمَهم الخاصّ الذي يحلمون بهِ ويعيشُ في أذهانِهم ربما إلى الأبد.. 

عندما أعادت دار تكوين الكويتية ترجمة الحكاياتِ العالميّة الشهيرة، والتي سبقَ وأن نُشرت في المجلاتِ والكتبِ بل وعُرِضَت كأفلامٍ ومسلسلاتٍ كرتونيّة، كصاحبِ الظلّ الطويل، عهد الأصدقاء، هايدي، جزيرة الكنز وغيرها الكثير، اندفعَ لشرائها البالغون- وأنا منهم- قبل الأطفال، لقد كان كل واحدٍ منهم كالمغتربِ الذين انطلقَ بفرحٍ غامرٍ عائدًا إلى حضنِ وطنِه الطفوليّ الذي يسكن في داخِله منذ ذلك الوقت وحتى الآن، فولجوا جميعا عالمَ الطفولةِ مرةً أخرى من خلالِ تلك الحكاياتِ الجميلة والدافئة، وإلا ما الذي سيدفعهم إلى شراءِ حكاياتٍ يعرفونها مسبقًا سوى حالة من الحنينِ إلى ذلك الزمن الذي عاشوا فيه أيامًا بسيطة وهانئة.. 

لكن، وبما أننا لم نعُد أطفالًا، فبالطبعِ سوف نعيدُ قراءة تلك الحكاياتِ بنظرةٍ وطريقةٍ مختلفة عما كانت لدينا ونحن أطفال، وسنجدُ أنّ وراءَ تلك الحكاياتِ السعيدة والحالمة الكثير من الرسائلِ العميقة والخفيّة والتي غابت عن أذهاننا ونحن صغار وصرنا بأمسّ الحاجةِ إليها ونحنُ نعيشُ في زمنٍ عصيب، ليس ذلك فحسب، بل مع الأسف سنعرفُ أيضًا أن وراء هذه الحكاياتِ الرائعة الكثير من الألم والمعاناة، إذ إن هذه الأعمال لم تُكتب في عالمٍ تعيشُ فيهِ الجنيّاتُ والأبطال الشجعان وينتصرُ الخيرُ فيه على الشرّ ويحظى الناس فيه بنهاية سعيدة، بل على العكسِ تمامًا، ومثالا على ذلك سأذكرُ حكاية بيتر بان الشهيرة، والتي عُدت لقراءتِها ثانيةً.

تدورُ حكاية بيتر بان الشهيرة عن الصبيّ بيتر الذي رفضَ أن يكبُر وأراد أن يبقى صغيرًا للأبد، فهجر والديهِ وعاش في جزيرةٍ بعيدةٍ تُدعى نيفرلاند "اتجه نحو المنعطف الثاني نحو اليمين، ثم تقدّم للأمام حتى الصباح"، وإذا قُمت بقراءةِ حكاية بيتر بان أو شاهدت أحد أفلامه المصوّرة فستجدها حكاية ظريفة ومليئة بالمغامراتِ المدهشة والمواقف المضحكة، لكنّ الحقيقة هي أنّ الحكاية كانت عبارة عن انعكاس لمأساةٍ سوداويّة عاشها مؤلّفها جيمس ماثيو باري في حياته.

استمدّ الكاتبُ جيمس باري حكاية بيتر بان من واقعِ طفولتِه التي عاشها، فقد فُجعت أسرته بفقدانِ أخيه، مما جعل والدته تدخل في حالةٍ من الحزنِ الشديد والكآبة، لم يحتمل جيمس أن يقف مكتوف اليدين وهو يرى والديه يعيشان هذه التعاسة، فقرر أن يجسد دور أخيه، فقام بارتداء ملابسه ومحاولة تقليده في كل شيء، وبالطبع فإن هذا الفعل ترك في داخله ألما فظيعا، خصوصًا وأنه كان يسمع والدته تقول بأنّ ابنها المتوفى لا يزال على قيدِ الحياةِ في مكانٍ بعيد حيث لن يموت وسيبقى طفلًا للأبد.

ومن هنا ظلت فكرة أرض الخلود أو نيفرلاند تلاحقه حتى بعدما كبُر، ولم يتوقف الأمرُ عند فقدان أخيه فحسب، بل فشل في زواجه أيضًا وخلّف ذلك لديه شعورًا بالخيبةِ، كما أنه لم يكن راضٍ عن الأعمالِ المسرحيةِ التي كتبها، لكن بعد وفاةِ صديقِهِ دافيس، التقى جيمس بأطفال صديقه الخمسة وأرملتِهِ، وقد ألهمه الأطفال من خلالِ زيارتِه اليوميّةِ لمنزلهم ومشاهدتهم وهم يلعبون واستماعه إلى أحاديثهم المسليّة حكايةَ الصبي بيتر الذي لا يكبر أبدا ويواجه كل يومٍ مغامرة مع القراصنة والجنيات والهنود الحُمر، حيث كان بيتر طفلًا يرفض أن يصبح رجلًا، ويلتقي بالأطفال التائهين أو الهاربين بطفولتِهم فيعلمهم القتال والطيران، وبالمناسبة فإن اسم بيتر كان في الواقع اسم أصغر أبناء دايفس، لقد عُرضت مسرحية بيتر بان بالرغم من كل الصعوباتِ أثناء تنفيذها بسبب الحاجة إلى مؤثراتٍ معقدة وأدواتٍ وديكوراتٍ ضخمة، وقد لاقت المسرحيّة إعجابا كبيرًا.

إن حكاية بيتر بان تمثل مشاعرًا مأساوية من الفقدِ والألم، حتى أنّ حب جيمس لوالدتِه وتعلّقه الشديد بها ظهر بوضوحٍ من خلال رسمه لشخصية ويندي التي تحب أمها كثيرًا، لكن بيتر كان قد علمها الطيران وأخذها مع إخوتها بعيدًا إلى نيفرلاند، لكن الأم أبقت نافذة غرفةِ نومِهم مفتوحة أملًا في عودتِهم يومًا ما، وبالنسبةِ لأمّ ويندي فقد كانت شخصيّة كتومة ومن المستحيل أن يحظى أحد بقُبلتِها، لكنّ جيمس يذكر أنّ بيتر كان الوحيد الذي حصل عليها بسهولة، وربما قصد المؤلّف أنّ والدته أغدقت كلّ محبّتها على أخيه، فبيتر يمثل شخصية الفقيد الذي لن يكبر أبدا وسيبقى طفلا كما كانت تهذي أمه الحزينة.

لقد خبأ جيمس كل هذه المشاعر خلف ستارٍ من الضحك والبهجة، محولا بذلك واقعه المرير وتجربته القاسية إلى حكايةٍ خالدة تُسلّي الأطفال وتسعدهم، لكنّ جيمس لم يعرف السعادة أبدًا حيث فقد أخاه وعاش طفولة كئيبة فرضتها عليه صدمة والديه وحزنهما الشديد، حتى بعد تبنيه لأطفالِ صديقه الخمسة كان قد أحب والدتهم وطلب يدها للزواج لكن الموت كان منها أقرب، ولتكتمل المأساة انتحر الطفلُ بيتر أصغر أبنائها، وعاش الإخوة الأربعةُ في تعاسةٍ أبديّة!  

من الجدير بالذكر أن الفنان جوني ديب كان قد جسّد شخصية الكاتب جيمس باري في فيلم العثور على نيفرلاند أو Finding Neverland 2004، حيث يتناول الفيلم صداقة جيمس مع الأطفال الخمسة وأرملة صديقه المتوفى دايفس وكيف ألهمه الصغار شخصية بيتر بان، وقد أبدع جوني ديب في أداء الشخصية وتحولاتها بين حالاتِ البهجةِ والحزن وأضفى عليها كالمعتاد جاذبيته وبصمته الخاصة مثلما يفعل في كل الشخصيات التي يؤديها، وهو ما دفعني إلى إعادة قراءة الرواية في ظلّ الحقيقةِ التي عاشها المؤلف مما جعل رؤيتي لها تختلف كليّا عن السابق..

بالرغم من الحزن الكبير الذي يحيط بكواليس الحكايات السعيدة إلا أن جيمس باري كان قد علّمنا كيف يمكن للإنسانِ أن يحوّل أحزانه بطريقةٍ ما إلى شيءٍ جميلٍ، وهذه بعض الاقتباسات التي أعجبتني من رواية بيتر بان: 

" فقط أولئك الأبرياء والأنقياء الذين يشعرون بالبهجة يمكنهم الطيران".

" يمكن لفتاة أن تكون أكثر فائدة من عشرين شابًا".

" عندما يضحك الطفل ضحكته الأولى تتحول إلى جنّية، هكذا تولد الجنيات من ضحكات الأطفال، وعندما يفقد طفل إيمانه بوجودهنّ تموت جنّية في مكانٍ ما في العالم".

" لقد أعطاهم جهلهم ساعة واحدة من السعادة".

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

سعود شريم.. في مديح غِرِّيد الحرم 9/13/2022 8:49:31 AM بتوقيت غرينتش
هل تزوج بليغ حمدي غادة السمان؟ 9/12/2022 8:16:30 AM بتوقيت غرينتش
رجال في الشمس ورجال في الصقيع 9/4/2022 11:25:36 AM بتوقيت غرينتش